أبو الليث السمرقندي
84
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ردوا الأرضة فيها فأكلت شهرا ، ثم نظروا كم أكلت في ذلك الشهر ، ثم قاسوها بما أكلت من قبل . فكان لموته اثنا عشر شهرا . فتبيّن للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين . فقالت الجن : إن لها علينا حقا . يعني : الأرضة فهم يبلغونها الماء فلا يزال لها طينة رطبة فذلك قوله : فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ يعني : ما دلّ على موت سليمان إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ يعني : الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ يعني : عصاه . قرأ نافع وأبو عمرو مِنْسَأَتَهُ بلا همز . وقرأ الباقون بالهمز . فمن قرأ بالهمز فهو من نسأ ينسأ إذا زجر الدابة ، ثم تسمى عصاه منسأة لأنه يزجر بها الدّابة . ومن قرأ بغير همز فقد حذف الهمزة للتخفيف وكلاهما جائز . فَلَمَّا خَرَّ يعني : سقط - عليه السلام - تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ علم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب . ويقال : تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ يعني : ظهر لهم : أنهم لو علموا الغيب يعني : أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ فتفرقوا عن ذلك . قرأ حمزة : مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ بسكون الياء . وقرأ الباقون : بالنصب وهما لغتان وكلاهما جائز . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 15 إلى 17 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ( 17 ) قوله عز وجل : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ قرئ بالنصب والكسر . وقد ذكرناه من قبل . فمن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم أب القبيلة ومن قرأ بالنصب جعله أرضا والأول أشبه . لأنه روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه سئل عن سبأ . فقال : « هو اسم رجل » . ويقال : هو سبأ بن يشخب بن يغرب بن قحطان . وروي عن ابن عباس أنه قال : هي من قرى اليمن بعث عز وجل ثلاثة عشر نبيا - عليهم السلام - إلى ثلاث عشر قرية باليمن اتبع بعضهم بعضا ، حتى اجتمعت الرسل في آل سبأ . وقرية أخرى ، فأتوهم فذكروهم نعم اللّه عز وجل وخوفوهم عقابه . وروى أسباط عن السدي قال : كانت أرضهم أرضا خصيبة ، وكانت المرأة تخرج على رأسها مكتلا فلا ترجع حتى تملأ مكتلها من أنواع الفاكهة من غير أن تمد يدها ، وكان الماء يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يحبس بين جبلين ، وكانوا قد ردموا ردما بين جبلين فحبسوا الماء ، وكان يأتيهم من السيول فيسقون بساتينهم وأشجارهم . ويقال : كان لهم وادي . وكان للوادي ثلاث درفات . فإذا كثر الماء فتحوا الدرفة العليا ، وإذا انتقص فتحوا الدرفة الوسطى ، وإذا قلّ الماء فتحوا الدرفة